التسوية مقابل الكفاح المسلح في خطاب عرفات

التسوية مقابل الكفاح المسلح في خطاب عرفات

التسوية مقابل الكفاح المسلح في خطاب عرفات

التسوية مقابل الكفاح المسلح في خطاب عرفات

ما بعد 1973 / ما قبل كامب ديفيد

إحالة إيجابية إلى الكفاح المسلح

إحالة إيجابية إلى التسوية السلمية

من كامب ديفيد إلى غزو 1982

من غزو 1982 إلى الانتفاضة الأولى

لم يرَ ياسر عرفات ـــ في سبعينيات ومنتصف ثمانينيات القرن الماضي ـــ في الكفاح المسلح والتسوية السلمية خيارين منفصلين أو متناقضين بالضرورة. إذ تكشف المقابلات التي يشملها هذا التحليل أنه تعامل معهما بوصفهما مسارين يرتبطان بمدى استعداد المجتمع الدولي وإسرائيل للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. فبينما أكد مرارًا أن "منظمة التحرير الفلسطينية" لا تعارض السلام من حيث المبدأ، شدّد في الوقت نفسه على أن أي سلام لا يقوم على إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الفلسطينيين لن يكون سوى تكريسٍ للأمر الواقع، وأن الكفاح المسلح يبقى، في هذه الحالة، حقًا مشروعًا.

ويركّز التحليل على مقابلات (27 مقابلة) نُشرت كاملة، أو وردت منها مقاطع وافية، في جريدة "السفير" خلال مرحلتين سياسيّتين حاسمتين: المرحلة المحيطة باتفاقيات "كامب ديفيد" بين عامي 1978 و1979، ومرحلة 1985- 1986 التي سبقت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. ويُتيح هذا الاختيار مقارنة خطاب عرفات في سياقين: الأول شهد صعود مسار التسويات المنفردة ومحاولات إعادة تعريف القضية الفلسطينية من دون مشاركة مباشرة لـ"منظمة التحرير"، والثاني بعد خروج المنظمة من بيروت، وفي ظل تصاعد الضغوط العسكرية والتحركات الدبلوماسية الرامية إلى بلورة مسار سياسي جديد.

وتُظهر المقابلات أن عرفات كرّر، أكثر من المرّة، أن الفلسطينيين "لا يرفضون السلام"، بل يرفضون الاستسلام، وأن "السلام يجب أن يكون عادلًا وليس على حسابنا". ويضيف في أكثر من موضع أن هدف الفلسطينيين ليس استمرار الحرب ("لا نقاتل لأننا نحب الحرب أو القتال")، بل الوصول إلى تسوية تعترف بالشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، ويؤكّد في هذا السياق أن "كفاحنا ضد الصهيونية هو نضال من أجل السلام". كما يدافع ــ في مقابلة معه عام 1986 ـــ عن مشروع "الملك (السعودي) فهد الذي هو مشروع السلام العربي"، وفق تعبيره، محاولًا ربط خطابه بمرجعية عربية. 

ويبرز هذا التوجه بوضوح في حديث عرفات عن المبادرات السياسية التي طُرحت في تلك المرحلة. إذ رفض اتفاقيات "كامب ديفيد" لأنها، بحسب وصفه، تجاوزت الفلسطينيين ولم تعترف بـ"منظمة التحرير" ممثلًا لهم، لا لأنها طرحت فكرة التسوية بحد ذاتها. كما دافع لاحقًا عن فكرة عقد مؤتمر دولي للسلام برعاية الأمم المتحدة، معتبرًا أن أي حل سياسي يجب أن يستند إلى الشرعية الدولية وأن يضمن حقوق الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، كان عرفات يربط نجاح أي مسار تفاوضي بتغيّر موازين القوى، وهو ما جعل استمرار المقاومة، في نظره، عنصرًا من عناصر الضغط السياسي، لا نقيضًا للعمل الدبلوماسي.

ويكشف ما أورده عرفات في المقابلات عن هذا الترابط بصورة مباشرة. فيؤكد أن "السلام بالنسبة إلينا ليس شعارًا، بل هو سلام يقوم على العدالة"، وأن الفلسطينيين "لا يطالبون إلا بحقوقهم التي أقرتها الشرعية الدولية". وفي المقابل، يصرّ على أن الشعب الفلسطيني "لن يتخلى عن الكفاح ما دام الاحتلال قائمًا"، وأن المقاومة ليست غاية في ذاتها، بل نتيجة لحرمان الفلسطينيين من حقوقهم. وفي إحدى المقابلات يقول إن "القضية الفلسطينية حُذفت من قرارات مجلس الأمن الأساسية، وبذلك فهي لم تترك أمام الفلسطينيين أي خيار إلا أن يسيروا على طريق الكفاح المسلح". وفي الوقت عينه يدافع، في مقابلة معه أُجريت عام 1978، عن غارة فدائية على تل أبيب باعتبارها "عملية عسكرية مشروعة في قضية عادلة". وعلى المنوال نفسه يقول في مقابلة عام 1985 إن "الكفاح المسلح سيستمر، فليس هناك ثورة تستطيع وقف الكفاح المسلح".

وتُظهر المادة الأرشيفية أن لغة عرفات نفسها تغيّرت مع تغير السياق السياسي. ففي المقابلات التي أعقبت "كامب ديفيد"، يبرز الدفاع عن الكفاح المسلح بوصفه ردًا على محاولات فرض تسوية منفردة، بينما تميل المقابلات التي تعود إلى منتصف الثمانينيات إلى إعطاء مساحة أكبر للحديث عن المبادرات السياسية والمؤتمرات الدولية، وذلك في ظل خروج "منظمة التحرير" من بيروت، وتصاعد الجهود الدبلوماسية لإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية. 

ومع ذلك، لا تشير هذه التحولات ـــ بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات ـــ إلى انتقال من المقاومة إلى التسوية، بقدر ما تعكس إعادة ترتيب الأولويات السياسية وفق الظروف الإقليمية والدولية. ومن خلال تتبع خطاب عرفات عبر أكثر من عقد، يظهر كيف حافظ على هذه المعادلة، مع إعادة صياغتها باستمرار بما يتلاءم مع التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية والمنطقة.




Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.